المواد الدراسية
للغة العربية 2 | المستوى الأول العام الدراسي 2014-2015م
|
الدرس
|
الموضوع
|
التركيب
|
|
8
|
الإسلام عقيدة وشريعة
|
كان وأخواتها
|
|
9
|
المساواة فى الإسلام
|
أدوات الشرط الجازمة وغير الجازمة
|
|
10
|
الشورى فى الإسلام
|
النكرة والمعرفة
|
|
11
|
العدالة فى الإسلام
|
المفعول لإجله والمفعول المطلق
|
|
12
|
الإنسان فى شريعة محمد
|
النعت
|
|
13
|
أثر الأم فى نشأة الطفل
|
الحال
|
|
14
|
الدين الصناعي
|
الاستثناء
|
تفضل لإنزال متن
الموضوع فى شركة الإنترنت = www.abdulgofurhasan.blogspot.com
( الإسلام عقيدة وشريعة )
تلقى محمد عن ربه الأصل الجامع للإسلام فى
عقائده وتشريعه، وهو القرآن الكريم، وكان القرآن عند الله وعند المسلمين المصدر
الأول فى تعرف التعاليم الأساسية للإسلام. ومن القرآن عرف أن الإسلام له فرعان
أساسيان، لا توجد حقيقته، ولا يوجد معناه إلا إذا أخذ الفرعان نصيبهما من الوجود
فى عقل الإنسان وقلبه وحياته، وهذان الفرعان هما: العقيدة والشريعة.
والعقيدة هي الجانب النظري الذي يطلب
الإيمان به- قبل كل شيء- إيمانا لا شك فيه ولا شبهة. فمن طبيعتها كثرة النصوص
الواضحة على تقريرها، وإجماع المسلمين عليها من النصوص الواضحة على تقريرها،
وإجماع المسلمين عليها من ابتداء الدعوة مع ما حدث بينهم من اختلاف بعد ذلك.
والعقيدة أول ما دعا إليه الرسول، وطلب من
الناس الإيمان به منذ المرحلة الأولى من مراحل الدعوة. وهي دعوة كل رسول جاء من
قبل الله، كما دل على ذلك القرآن فى حديثه عن الأنبياء والمرسلين.
والشريعة هي النظم التي شرعها الله ليأخذ
الإنسان بها نفسه فى علاقته بربه، وعلاقته بأخيه المسلم، وعلاقته بأخيه الإنسان،
وعلاقته بالكون، وعلاقته بالحياة.
العقيدة والشريعة
فى تعبير القرآن :
وقد عبر القرآن عن العقيدة بــــــــــــ ((الإيمان)) وعن الشريعة
بـــــــــــــ ((العمل الصالح))، وجاء ذلك فى كثير من آياته الصريحة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا
خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾[1] ﴿مَنْ
عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً
طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[2] ﴿وَالْعَصْرِ
إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[3]
ومن هنا نعلم أن الإسلام لم يكن عقيدة
فقط، ولم تكن مهمته تنظيم العلاقة بين الإنسان وربه فقط، وإنما كان عقيدة، وكان
شريعة توجه الإنسان إلى جيع نواحى الخير فى الحياة.
العقيدة أصل
والشريعة فرع:
والعقيدة فى الإسلام هي الأصل الذي تبنى
عليه الشريعة، والشريعة أثر تابع للعقيدة، ومن ثم فليس للشريعة وجود فى الإسلام
إلا بوجود العقيدة، كما ليس للشريعة ازدهار إلا فى ظل العقيدة. ذلك أن الشريعة
بدون العقيدة علو ليس له أساس.
((الإسلام عقيدة وشريعة بتصرف))
اَلْمُسَاوَاة
فى الإسلام
قرّرَ الإسلام مبدأ المساواةِ، كما قرّرَ
مبدأَ الحُرِّيَّةِ وَالإِخَاءِ فى العالَمِ لأوّل مرَّةٍ فى التاريخ، وكان ذلك أَسْبَقَ
من الدُّعَاةِ إلى المبادئ فى العصر الحديث بِأَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ عَامٍ.
ولم يكن تقريرُ هذه المبادئ تقريرًا نظريًا
كما حَدَثَ فى فَرَنْسَا وفى أَمْرِيْكا وفى هَيْئَةِ الأُمَمِ الْمُتَّحِدَة، حَيْثُ
وُضِعَتْ المبادِئ. ولم يُنَفَّذْ منها إلا القليلُ بِحَسَب أَهْواءِ الأُمَمِ القَوِيَّة.
وقد دعا الإسلامُ إلى هذه المبادئِ وطَبَّقَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وتَبِعَه
الصحابةُ. وسادَت المبادئ المجتمعَ الإسلاميَّ فى أقطارِ الأرضِ. وها نحن نَعْرض صُوَرًا
عَمَلِيَّةً للمساواةِ فى الدَّوْلة الإسلامية.
كانت التكاليفُ الشرعيةُ – من صلاةٍ وصومٍ
وزكاةٍ وحجٍّ وغيرِها عامةً- تُطَالِبُ كُلَّ مسلمٍ بأن يُؤَدِّيَها بدون استثناءِ
أحدٍ منها.
الصلاة – وهي الرُّكن الثاني من أركانِ
الإسلام- تتجَلّى فيها المساواةُ، إذ يَقِف المسلمون صُفوفًا يَتَجَاوَرُ فيها
الصغيرُ والكبيرُ، والغنيُّ والفقيرُ، والحُرُّ والعَبْدُ. وكلّهم يركَعون لإلهٍ
واحدٍ. وكذلك تتجلّى المساواةُ فى زيّ الحجِّ الْمُوَحَّد وفى أداء مَنَاسِكِهِ.
تُنَفَّذُ الحدودُ على جميع المسلمين بلا
استثناءٍ، لا كما كانت الحالُ عند الدُّوَلِ الكُبْرَى قبلَ الإسلام، إذ كانت
القوانينُ تنفَّذ على العامّة فقط، ونذكر هنا أَمْرَ المرأة المخزوميّة التي سَرَقَتْ،
وَاسْتَشْفَع أهلُها بأُسَامَةَ بنِ زيدٍ لحُبِّ الرسول إياه. فلمَّا كلَّم النبيَّ
صلى الله عليه وسلم فيها غَضِبَ، وقال له : أَتَشْفَعُ فى حدٍّ من حُدودِ الله؟ إنّ
بني إسرائيلَ كانوا إذا سَرَق فيهم الشريفُ تركوه، وإذا سرَق فيهم الضعيفُ قطعوه.
واللهِ لو أن فاطمةَ بنتَ محمّدٍ سَرَقَتْ لقطعتُ يدَها.
كان القصاصُ مَرْعِيًّا بين الناس جميعا
وإن اختلفت درجاتُ الْمُعْتَدِى وَالْمُعْتَدَى عليه. من ذلك: أنّ النبي صلى الله
عليه وسلم قال للناس يوما: ((أيها الناس، مَنْ أخذتُ له مالاً، فهذا مالي فَلْيَأْخُذْ
منه، ومن ضربتُه ضربةً فَلْيَقْتَصَّ مني من قَبْلِ يومِ القيامة)).
كان النبي يُشْعِرُ أصحابَه المساواةَ فى
سُلوكه معهم، فقد أرادوا مرّةً على أن يَحْمِلُوْا نَصيبَه من العمل فى سَفَرٍ،
فقال: عَلِمْتُ أنكم تَكُفُّوْنَيِيْ، لكنّني أكرَهُ أَنْ أَتَمَيَّزَ عليكم، وإنّ
الله سبحانه وتعالى يَكْرَهُ من عبدِه أن يراه مُمَيَّزًا بين أصحابه. وحَدَّثَ
أبو هريرة أنه خرج مع النبي إلى السوق ليشتريَ سَراويلَ، فلمّا أراد أن يحملها
عنه، قال له: صاحبُ الشيءِ أَحَقُّ بأن يحملَه. وقد اقتدى به الصحابةُ، فهذا أبو
بكر فى خطبته عندما وُلِّيَ الخلافةَ يقول: ((أيها الناس إني وُلِّيْتُ عليكم ولستُ
بخيرِكم. فإنْ رأيتموني على حقّ فأَعِيْنُوْنِي، وإنْ رأيتموني على باطل فَسَدِّدُوْنِيْ،
أَطِيْعُوْنِيْ ما أَطَعْتُ اللهَ فيكم، فإذا عَصَيْتُه فلا طاعةَ لي عليكم، ألا
إنّ أقواكم عندي الضعيفُ حتى آخذَ الحقَّ له، وأَضْعَفَكم عندي القويُّ حتّى آخذَ
الحقَّ منه))
((المطالعة النصوص بتصرف))
الشُّوْرَى
فى الإسلام
أمّا الشورى فهي أساسُ الحُكْمِ الصالحِ،
وهي السبيل إلى تَبَيُّنِ الحق ومعرفةِ الآراء الناضجة. وقد أَمَرَ بها القرآنُ،
وجعلها عنصرا من العناصر التي تقوم عليها الدولةُ الإسلاميةُ. ففي القرآن الكريم
سورةٌ عُرِفَتْ باسم ((سورة الشورى)) وقد سميت بذلك لأنها السورةُ الوحيدةُ التي قَرَّرَتْ
((الشورى)) عنصرا من عناصر الإيمان الحقّ.
وقد نزل – بعد أن أُصِيْبَ المسلمون فى
غزوة أُحُدٍ بما أصيبوا – أَمْرُ الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه
فيما يَطْرَأُ لهم من الشئون، رَبْطًا للقلوب وتقريرا لما يجب أن يكون بين
المؤمنين من حُسْنِ التَّضَامُنِ فى سياسة الأمور وتدبيرِ الشئون. وذلك قوله تعالى
فى سورة آل عمران : ﴿ ... وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ
عَلَى اللَّهِ﴾[4]
الشورى فى عهد
الرسول وأصحابه
وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم
يشاور أصحابه فيما لم ينزل عليه فيه الوحيُ. وكان فى بعض الأحيان يَعْدِلُ عن رأيه
ويأخذ برأي أصحابه. وقد حدث أنه أخذ برأيه ورأي أبي بكر فى حادثة أسرى بَدْرٍ، ورَفَضَ
الْعَمَلَ برأي عمر ومن وافقه. فنزلت آياتٌ شديدةُ العَتْبِ على النبي صلى الله
عليه وسلم فى أنه لم يأخذ برأي الآخرين، وقد كان هو الأَوْفَقَ بحالتهم فى هذا
الوقت : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[5]
ومن هنا كانت الشورى أصلا فى إدارة الشئون
الجماعية. وكان تَحَرِّيْ الْحقِّ أو الموافقة فى المصلحة من ألزم الواجبات على
صاحب الأمر. وقد سلك ذلك أصحاب الرسول بعده. فكان أبو بكر يَسْتَشِيْرُ الصحابةَ
فيما يعرض له من شئون الجماعة، وكان يأخذ برأي غيره متى بَدَتْ آياتُ الحق فيه،
وكان عمر يَجْمَعُ كبار الصحابة فى عهده، وكان يمنعهم من الخروج من المدينة لحاجته
إلى استشارتهم.
وكان الأساس فى الاستشارة كَفَالَةَ الحرّية
التامة فى إِبْدَاءِ الآراء ما لم تَمَسَّ أصلاً من أصول العقيدة أو العبادة.
ولم يضع القرآن ولا الرسول للشورى نظاما
خاصًّا وإنما هو النظام الفطريّ، يجمع النبي أو الخليفة من بعده أصحابه، وَيَطْرَحُ
عليهم المسألةَ، ويُبْدُوْنَ آراءَهم فيها. ومتى أجمعوا على رأي أو تَرَجَّحَ
عندهم رأيٌ عن طريق الأغلبية أو عن طريق قوَّة البرهان أُخِذَ به.
وإنما تُرِكَ هذا الجانب من غير أن يُوْضَعَ
له نظامٌ خاص، لأنه من الشئون التي تتغيَّر فيها وجْهَةُ النظر بتغيُّر الأجيال
والتقدُّم البشريّ. فلو وُضِعَ نظام فى ذلك العهد لاَتُّخِذَ أَصْلاً لا يَجِيْدُ
عنه من يجيء بعدهم، ويكون فى ذلك التضييقُ كلَّ التضييق عليهم أَلاَّ يُجَارُوْا
غيرَهم فى نظام الشورى.
فالشورى من الأمور التى تُركت نُظُمُها
دون تحديد، رحمةً بالناس وتَوْسِعَةً عليهم وتمكينا لهم من اختيار ما يتاح للعقول
ما دام المقصود هو أصلَ المشورة.
((الإسلام عقيدة وشريعة بتصرف))
العدالة
فى الإسلام
إن أَهَمَّ دَعَائِمِ السَّعادة التى يسعى
إليها البشرُ هو أن يَطْمَئِنَّ الناسُ على حقوقهم، وأن يستقرَّ العدلُ فيما
بينهم. وإنا لا نكاد نعرف شيئا أبعثَ للشَّقَاءِ والفِتَنِ، وأَنْفَى للهدوء والاِطْمِئْنَانِ
بين الأفراد والجماعات من سَلْبِ الحقوق، وَاغْتِيَالِ الأَقْوِيَاءِ حقوقَ
الضعفاء، وتَسَلُّطِ الجبَّارينَ على الآمنين الْمُسَالِمِيْنَ. وليس من ريبٍ فى
أن هذه الظواهر أَشَدُّ ما يقطعُ الصِّلاَتِ، ويَغْرِسُ الأحقادَ، ويُثِيْرُ الاِنْتِقَامَ،
وَيُهَدِّدُ المجتمعَ.
مكانة العدل فى
القرآن :
وقد كان فى أول ما قرَّره الإسلامُ حفظًا
لِكِيَانِ الْمُجْتَمَعِ البشريّ مَبْدَأُ العدلِ بين الناس. وقد عُنِيَ به القرآنُ
الكريمُ وحَذَّرَ من مُقَابِلِهِ وهو الظُّلْمُ. وأمر به عامًّا حتى مع الأعداء ﴿وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى﴾[6]
ومن هنا، جعل الله العدلَ واسطةَ حَبَّاتِ
الْعِقْدِ الذي كَوَّنَ به لرسوله مَنْهَجَ الدّعوة الإصطلاحية، التي حَمَّلَها
إياه إنقاذًا للبشرية من ظُلُمَاتِ الجهل والبَغْيِ والعدوان ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ
كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ
مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾[7]
أمر القرآنُ الكريم بالعدل أمراً عاما، دُوْنَ
تخصيصٍ بنوع دون نَوْعٍ، ولا بطائفةٍ دون طائفة، لأن العدلَ نِظَامُ الله وشَرْعِه،
والناسُ عبادُه وخَلْقُه يستوون أمَامَ عدله وحكمه. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ
مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا
يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾[8]
وضَع الله العدلَ هكذا، وجعل إقرارَه بين
الناس الهَدَفَ من بعث الرُّسُل وإنزال الشرائع والأحكام ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا
بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ
بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾[9]
ولقد نرى فى ذكر الحديد هنا إِيْحَاءً قويًّا واضحًا إلى أنَّ إقرارَ العدل فيما
بين الناس واجبٌ إلهيٌّ مُحَتَّمٌ للقائمين به أن يستعينوا عليه باستعمال القوة
التى سخَّر لها ولآلاتها الحديدَ وهو ذو الْبَأْسِ الشديد.
((الإسلام عقيدة وشريعة بتصرف))
الإنسان فى شريعة محمد
زعم السِّيَاسِيُّوْنَ فى أَوْرُبَّا
وأمريكا أنهم أعلنوا حقوقَ الإنسان فى هيئة الأمم المتحدة، وبشَّروا الناسَ
بالنعيم والخير العميم والسلام الدائم. ومِنْ قَبْلِهِم أَعْلَنَ قَادَةُ الثَّوْرَةِ
الفَرَنْسِيَّةِ هذه الحقوقَ وجعلوها مُقَدِّمَةً لدستورهم.
واليوم يكون الناس – فى الشرق والغرب –
يسألون : ماذا يريد الأوربيون والأمريكيون من لفظ ((الإنسان)) الذي أعلنوا له
الحقوقَ وأظهروا عليه العَطْفَ؟ أهو الإنسانُ كما خلقه الله من كُلِّ جِنْسٍ وفى
كلِّ أرضٍ وعلى كلّ لونٍ، أَمْ هو الإنسان الأبيض الْمُتْرَفُ المنعَّم؟. أغلبُ
الظنّ أنهم يريدون هذا الْأَخِيْرَ. أما الأسودُ أو الأحمرُ فلا يزال فى رأيهم ضَرْبًا
مَهِيْنًا من الْخَلْق، عليه كلُّ واجب وليس له أيُّ حقٍّ، أو نوعا من بهيمة
الأنعام يُوْلَدُ لِيُسَخَّرَ وَيُرَوَّضُ لِيُسْتَخْدَمَ وهو موضوع الخصومة فى
السِّلْمِ ومَادَّةُ الغنيمة فى الحرب.
المسلمون وحدهم هم الذين يفهمون الإنسان
بمعناه الصحيح، لأنهم أتباع محمد، ومحمد وحده هو الذى أَعْلَنَ حقوقَ الإنسان بهذا
المعنى، لأنه رسولُ الله الذي أرسله رحمة للذين اسْتُضْعِفُوْا فى الأرض كالمساكين
والفقراء واْلأَرِقَّاءِ والنساء.
والذين رحمهم الله برسالة محمد لم يكونوا
من جنس مُعَيَّنٍ ولا من وَطَنٍ واحد، وإنما كانوا أمةً من أَشْتَاتِ الْخَلْقِ وَأَنْحَاء
الأرض، اجتمعَ فيها العربيُّ والفارسيُّ، والروميُّ والتركيُّ، والهنديّ والصيني،
والْبَرْبَرِيُّ والْحَبَشِيُّ، على شرعٍ واحد هو الإسلام.
والإسلام هو الدينُ الذي لم يَخُصَّ
بالتكريم لونًا دونَ لون، ولا طبقةً دون طبقة.
كان اليهود يزعمون أنهم أبناءُ الله وأَحِبَّاؤُهُ،
وسائرُ الناس سواءٌ والعدمَ. وكان الرُّوْمَانُ يَدَّعُوْن أنهم حُكَّامُ الأرض ومَنْ
سواهم خَدَم. وكان العربُ يقولون إنهم أهلُ البيان ومَنْ عداهم عَجَم. ولَمَّا جاء
محمد بالهدى ودينِ الحق ليظهره على الدين كلّه، أعلنَ المساواةَ بقول الله عَزَّ
اسمه : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُم عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾[10]
وأكَّدَها بقوله صلى الله عليه وسلم ((الناس سَوَاسِيَةٌ كأسنانِ الْمُشْطِ)) ((لا
فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى)) ((كلكم لآدمَ وآدمُ من ترابٍ))
ثم أعلنَ حرية العقيدة بقول الله تعالى: ﴿لَا
إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾[11].
واحترم عقائدَ أَهْلِ الكتاب، وضمن لهم حرية العبادة، وأمانَ الْعَيْشِ، وعَدْلَ
القضاء. وأَمَرَ الْوُلاَةَ أن يَرْعَوْهُمْ ويَعْطِفُوْا عليهم، وأَوْصَى
المسلمين أن يَّبَرُّوْهُمْ وَيُقْسِطُوْا إليهم.
ثم أعلن الإسلامُ حريةَ الفكر والرأي فلم
يَقْبَلْ إيمانَ الْمُقَلِّدِ، ولا حُكْمَ الْمُسْتَبِدّ. وأَمَرَ بالنظر فى ملكوت
السمٰوٰت والأرض، ووسّع صدره لأهل الْجَدَلِ حتى كثُرت الْفِرَقُ، ولرجال الفقه
حتى تَنَوَّعَتْ المذاهبُ. وسَمَحَ لأهل الذمّة أن يُدَافِعُوْا عن أديانهم،
ونهانا أن نُجَادِلَهم إلا بالتي هي أحسنُ.
ثم احترم الملكية وثَبَّتَ لها الأصولَ،
ونظَّم المواريثَ ورتَّب عليها التَّعَامُل. وهذه هي مَجْمُوْع الحقوقِ الطبيعية
التي كَفَلَها الإسلامُ للإنسان على اختلاف ألوانه وأوطانه، والتي أعلنها محمد بن
عبد الله منذ أكثر من أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا.
((المطالعة والنصوص بتصرف))
أَثَرُ
الأمّ فى نَشْأَةِ الطِّفْلِ
الأم الفاضلة أثمنُ كَنْزٍ فى هذه الدنيا،
وهي تُرَبِّي الأطفالَ مُبْتَهِجَةً، وهي التي تَغْرِسُ الأخلاقَ المحمودةَ راسخةً
فى نفوسهم. فالطفل صورةٌ من أمّه قبلَ كلّ شيء، لأنه قضَى طفولتَه بين يديها، فهو
من صُنْعِ هاتين اليدينِ. وعن الأم أخذ الطفل اللغةَ التي يتكلَّم بها والعاداتِ
التي يَسْلُكُهَا بالتقليد.
نشأ الطفلُ تحت رعاية أمّه، وفى أثنائها تُطْبَعُ
نَفْسُهُ على السَّجايا الحميدةِ من أمانةٍ واحترامٍ لِمَنْ هُوَ أكبرُ منه، ومن
عطفٍ وتآخ مَعَ من هو دونه. فإن أتى عملا طيبا حَنَّتْ الأمُّ عليه وشَجَّعَتْهُ
على عمله لِتُرَسِّخَ هذه الفضيلةَ فى نفسه، حتى إذا شبَّ صارت له شعارًا لا يَبْتَغِي
به بديلا.
والأم هي التي تجعل الطفلَ عاطفًا على إِخْوَتِه،
وتغرسُ فى نفسه محبّتَهم. وهذه المحبة لها أثرُها فى مستقبلِ أيامهم، إذ يعيشون
متحابّين متضامنينَ. والأمُّ اللَّبِقَة لا تَجْنَحُ إلى تمييز أحد الأطفال عن
الآخرين فى مَأْكَلٍ أو مَشْرَبٍ على مَرْأًى منهم، بل تُسَوِّي بينهم فى القِسْمَة،
والعَطْفِ والْحَنَان.
وإن فى النساء العربيات لأُسْوَةً حسنةً. فقد كنّ يُرَقِّصْنَ
أطفالَهن فى صغرهم بأناشيد رائعةٍ تَزْخَرُ بالحماسة والعِزَّة. ورد أن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم فى طفولته المباركة كانت تُرَقِّصُه أختُه فى الرضاع ابنةُ
السيدة حليمة السعدية بهذا النشيد الجميل : يا رَبَّنَا أَبْقِ لَنَا مُحَمَّدًا حتّى
أراه سَيِّدًا مُسَوَّدًا
وقد سمّيت النساء العربيات اللائي أَنْجَبْنَ
الأولادَ الذين يفتخر بهم التاريخُ ((الْمُنْجِبَات)). ومن هؤلاء أم البنين فاطمة
بنت الْخَرْشَب الأنمارية التى تسمَّى أُمَّ الكَمَلَة. وقد ولدت الربيعَ وعمَّارة
وقَيْسًا وأَنَسًا، وهم أبناء زياد الْعَبْسِيِّيْنَ.
ونظر أبو سفيانَ مرةً إلى معاويةَ وهو
صبي، فتوسَّم فيه الخيرَ، وقال: ((إن ابني هذا لعظيمُ الرأس، وإنه لخليقٌ أن يسود
قَوْمَه)) فقالت هند أمّ معاوية على الأثر: قَوْمَه! ثَكِلْتُه إن لم يَسُدْ العربَ
قاطبةً. وكان لها ما أرادتْ، فساد معاويةُ العربَ قاطبةً، بل ساد العربَ والعجمَ،
فأسَّس الدولةَ الأموية. وكان مَلِكًا عربيًّا على طِرَازِ كِسْرَى فارس، إلا أنه
أعظمُ منه لأنه أمير المؤمنين، ولأنه مَلِك الدنيا والدين.
فانظر إلى هذه الروح القوية التى خَلَقَتْ
من الغلام رجلا كبيرا أقامَ دولةً كبرى بِرَغْمِ الْفِتَنِ والْخُطُوْبِ ...
قال حافظ إبراهيم شاعرُ النيل:
الأم مَدْرَسَةٌ
إذا أعددتَها أعددتَ شعبا طيِّبَ الأعراق
ودخل عبد الله بن الزبير على أمّه أسماءَ
بنت أبى بكر، وقد حاصر الحجَّاجُ مكةَ، وشدَّد عليها الحصارَ، حتى يَئِسَ عبدُ
الله من مُوَاصَلَةِ القتال، ولم يبق له إلا التسليمُ أو الموت. فقال ((يا أماه،
لقد انْفَضَّ الناسُ من حولي، ولم يبقَ معي إلا مَنْ لا يستطيعون إلا صبرَ ساعةٍ،
والقوم يَعْرِضُوْنَ عليّ ما أشتهي من الدنيا، فما رأيكِ؟))
فقالت: ((أَقْدِمْ يا بُنَيَّ غيرَ هَيَّابِ،
فلكلّ أجلٍ كتاب. فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة. ولا يلعبنّ بك صبيانُ بني أميّة
... الموت أحبُّ إليّ مما يشتهون)). فسمع الإبن ُكلامَها ووعاه، وخرج إلى الميدان
بقَلْبٍ من حديد، يَصُوْلُ وَيَجُوْلُ، ولم يبق فى يده سيفٌ ولا رُمْحٌ حتى أَنْ قُتِلَ.
((المطالعة العربية بتصرف))
اَلدِّيْنُ
الصِّنَاعِيُّ
هل تعرف الفرقَ بين الحرير الطبيعِيّ
والحرير الصِّنَاعِيّ؟ هل تعرف الفرقَ بين الأسد وصورة الأسد؟
وهل تعرف الفرقَ بينَ عَمَلِكَ في الْيَقْظَةِ
وعملك فى الْمَنَام؟ هل تعرف الفرقَ بين النار أمَامَك وهي تَلْتَهِبُ وتأتي على
كلّ ما يُقَدَّمُ لها من وَقُوْدٍ، وبين نُطْقِكَ بكلمة النار وهي تجري على لسانك
فلا تَمَسُّه بسوءٍ؟
وهل تعرف الفرقَ بين إنسان يَسْعَى فى
الحياة، وبين إنسان من جِنْسٍ وُضِعَ فى مَتْجَرٍ لِتُعْرَضَ عليه الملابسُ؟
إن عرفتَ ذلك فهو بعينه الفرقُ بين الدِّينِ
الحقِّ والدّين الصناعِيّ.
يَكُدُّ الباحثون
أذهانَهم، ويُجْهِدُ المؤرِّخون أنفسَهم فى تقليب صُحُفِهم ووَثَائِقِهِم عن تعرُّف
السبب فى أنَّ المسلمين أوَّلَ أمرهم أَتَوْا بالعَجائب، فعَزّوا وفتحوا وسادوا،
والمسلمون فى آخر أمرهم أَتَوْا بالعجائب أيضا، فضَعُفُوْا وذَلّوا واستكانوا،
والقرآنُ هو القرآنُ[12]،
وتعاليمُ الإسلام هي تعاليمُ الإسلام، ((ولا إله إلا الله)) هي ((لا إله إلا
الله)). ويذهبون فى تعليل ذلك مَذَاهِبَ شَتًّى ويسلكون مَسَالِكَ متعدِّدة.
والحقيقةُ أنه لا سَبَبَ لذلك إلا الْفَرْقُ
بين الدين الحقّ والدين الصناعيّ.
فالدينُ الصناعيُّ دينُ حركاتٍ وألفاظٍ،
ولا شيءَ وراء ذلك. والدينُ الحقُّ دينُ روحٍ وقلبٍ وحَمَاسَة. فالصلاة فى الدين
الصناعي ألعابٌ رياضيّةٌ، والحجُّ حركةٌ آليَّةٌ ورحلةٌ بَدَنِيَّةٌ، والمظاهرُ
الدينيةُ أعمالٌ مَسْرَحِيَّةٌ وأشكالٌ بَهْلَوَانِيَّةٌ.
و((لا إله إلا الله)) فى الدين الصناعيّ
قولٌ جميلٌ لا مدلولَ له، وأما فى الدين الحقِّ فهي كلُّ شيء، هي ثَوْرَةٌ على
عبادة المال، وثورة على عبادة السُّلْطَانِ، وثورة على عبادة الجاه، وثورة على
عبادة الشَّهَوَاتِ، وثورة على كل معبود غيرِ الله.
و((لا إله إلا الله)) فى الدين الصناعيّ تَتَّفِقُ
مع إِحْنَاِء الرؤوس، والخضوع لشَهْوَةِ البدن، وتتّفق مع الذِلَّةِ وَالْمَسْكَنَة،
وأما ((لا إله إلا الله)) فى الدين الحق فَتُزَلْزِلُ العَالَم كُلَّه.
الدين الحقّ ((تَاجٌ)) يَحُلُّ فى الميِّت
فيحيا، وفى الضعيف فَيَقْوَى، وهو العقيدة التي تأتي بالمعجزات فَيَقِفُ الْعِلْمُ
والتاريخ والفلسفة أمامها حائرةً.
الدين الحق يجعل صاحبَه فوقَ كُلِّ سُلْطَة،
وفوقَ كل سياسة، والدين الصناعيّ يحمل صاحبَه على أَنْ يَلْوِيَ الدينَ لِيَخْدُمَ
السُّلْطَةَ، ويخدُم السياسةَ.
والدين الحقّ تحسينُ علاقة الإنسان بالله،
وتحسينُ علاقة الإنسان بالإنسان، لِتَحْسُنَ علاقتهم جميعا بالله. والدين الصناعي
تحسين علاقة صاحبه بالإنسان، لاستدرار رزق، أو كَسْبِ جاهٍ، أو تحصيل مَغْنَمٍ، أو
دَفْعِ مَغْرَمٍ.
إن الإيمان الحقَّ كالعصا السحريةِ، لا تَمَسّ
شيئا إلا ألهبته، ولا جامدا إلا أذابته، ولا مَيْتًا إلا أَحْيَتْه.
((المطالعة والنصوص بتصرف))